الرئيسية / الاخبار / لكي لا يتسائل الشهداء من مات من

لكي لا يتسائل الشهداء من مات من

عبد الله عباس عليان

يذهبُ الشهداءُ عِند ربهم وتَبقى آثارُهم وأثرُهم، وشيءٌ من كراماتهم، لذويهم أو أصدقائهم، ابتسامةٌ، رائحةٌ زكيَّة، قبضةُ يَدٍ تَضُم حجراً، سَبّابةٌ رُفِعت نحو السماء، كثيرةٌ هي الكرامات، مما يجعل الأهلَ، الأحبةَ والأصدقاء، يقومون بأفعالٍ لا شعورية، كزغرودةِ أمٍ انتظرت أياماً وسنينَ لترى ابنها عريساً، أو تَحيَّةً عسكريةً لوالدٍ افتخرَ بشجاعة ولده، أو عِناق قلبين قبل الوداع، لزوجةٍ وزوجها الشهيد، نِداءُ طفلة لوالدها” يابا وين بدك تروح؟!”، هي أفعالٌ تَعكس مشاعرهم الصادقة وحبَهم الدائم لمن فقدوهم.

كأي مواطنٍ فلسطيني يَحمِل مشاعرَ الأبوَّة والأُخوَّة، أتفهمُ هذه المشاعر النابعة من الأفئدة، وخاصة أنها على أرضٍ جُبِلَت بدماء الصحابة والشهداء، أعي تماماً كما يعي أبناء الشعب الفلسطيني، أن الشهداءَ أكرمُ منا جميعاً.

القصص والحكايا للأهل والأصدقاء، حول الشهداء بعد دفنهم، تُشعِر سامعَها أنها من نسجٍ ملائكي، كأن يرى والدٌ قبر ابنته في منامه يُشِعُّ نوراً، أو حديث أمٍ عن عودةِ ولدها بعد يومٍ من دفنه ليقبلَها ويخبرها بأن حُبَّه لها لم يمت، وما زال حياً ينبضُ في قلبه.

وحفاظاً على كرامة الإنسان وحرمة الميت، ومنذ زمنِ الجاهلية الأولى، وأثناء وقوع قتال، كان يُفسَح المجالُ لِمن سقط له قتلى من كلا الطرفين المتقاتلين، دفن القتلى، وهذا ما أوصى به الإسلام، باحترام جثةِ القتلى، وبعدم جواز التمثيل بها، وعدم ترك الجثة في ميدان المعركة، والإسراع في دفنها، وهذا كله يتفق مع مبادىء القانون الدولي الإنساني الذي حرّمَ انتهاك جثة المقاتل، لا سيما ما نص عليه البروتوكول الأول لعام 1977 في هذا الشأن، وفي عملية دفنِ القتلى ونقل رفاتهم فيما بعد الى أوطانهم .

إسرائيل، هي الكيانُ الوحيدُ في العالم الذي يحتفظ بجثثِ (قتلى الأعداء)، أي “الشهداء” من “العرب والفدائيين الفلسطينيين”، في مقابر سِريَّة، سُميَت “بمقابر الأرقام”، كون شواهد قبورها، عبارة عن لوحةٍ خشبيةٍ أو معدنية، تحملُ رقماً معيناً، دون اسمٍ للشهيد، ومن هذه “المقابر السرية”، مقبرةُ الأرقام المجاورة لجسر” بنات يعقوب”، عند الحدود الإسرائيلية السورية اللبنانية، مقبرةٌ سُميَت “مقبرة لضحايا العدو” في المنطقة العسكرية المغلقة بين مدينة أريحا وجسر دامية في غور الأردن، مقبرة “ريفيديم” في غور الأردن، ومقبرة “شحيطة” وتقع في قرية وادي الحمام، وغيرها من المقابر السرية، التي تضم حوالي 500 جثة لمفقودين وشهداء عرب أو فلسطينيين.

الاحتلال الإسرائيلي، باحتجازه جثامين الشهداء في هذه المقابر، يخالفُ قواعد القوانين الدولية وينتهكها، وخاصة القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة، التي تؤكد على ضرورة أن يتمَ تسليم الجثامين، إلى عائلاتهم لدفنها حسب المعتقدات الدينية.

الإسرائيليون، استخدموا جثامين الشهداء “كملفٍ تفاوضي” للمساومة والابتزاز السياسي، و”كعقابٍ للشهداء” وأُسَرهم، ليظهروا بعد ذلك كمبادرين بحُسن نِيَّةٍ في إعادة عددٍ من هذه الجثامين لأهلها، وعادة ما يقبلُ “الجانبُ الفلسطيني” بمثل هذه “المبادرات”.

لن أنسى موقفاً شاهدتُه قبل ثلاثِ سنوات، عندما قام أحد آباء الشهداء بتقبيلِ جمجمةِ ولده، التي كانت محتجزةً في مقابر الأرقام، مع هيكله العظمي، ولن يغيبَ من ذاكرتي احتضان سيدةٍ عجوز لصندوقٍ خشبي يحوي عظاماً مما تبقى من جثمانِ ابنها.

رحلَ عشرات الآباء والأمهات والأشقاء والأصدقاء، وهم ينتظرون اللحظةَ التي يستلمون فيها جثامينَ أبنائهم أو رؤية الصناديق الخشبية التي تحوي جثامينهم، وما يزال هذا الملفُ مفتوحاً، وفيه العديد من التساؤلات، دون وجود إجابات واضحة!!.

على الجهات الرسمية الفلسطينية، منظماتٍ ومؤسساتِ حقوق الإنسان، الأهالي والتنظيمات والأحزاب، إعادة هذا الملف من الناحية القانونية، وعرضه أمام المحاكم الدولية، لكشف ممارسات الاحتلال بانتهاك كرامة الشهداء، ولكي لا يتساءل الشهيد، مَن ماتَ…مَن ؟!.

عن moreed

شاهد أيضاً

عندما يتوحد الشهداء مع الاحياء في خيام التضامن مع الأسرى المضربين

بقلم: عيسى قراقع رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين أصبح تقليدا وطنيا على مدار أيام إضراب ...