الرئيسية / الاخبار / قولوا خيراً أو اصمتوا

قولوا خيراً أو اصمتوا

عبد الله عباس عليان

كثيرةٌ هي الأمور الحياتية، الاجتماعية، الثقافية والسياسية، التي يَنجَذِب إليها المواطنُ الفلسطيني، للحديث عنها أو نقاشها، وبالأخص في هذه الأيام.

المدهشُ في الأمر أحياناً، رأيُ أحدِهم وقولِه في موضوعٍ معين، رغمَ وصوله إلى درجة عاليةٍ من العلم، أو مركزٍ اجتماعي أو سياسي مهم، حيث يكونَ طرحُه مستنداً لاعتقاداتٍ نمت في عقله، أو تأثَرَ بها منذ صغره، وليس بقوة ما يطرحُ من قولٍ أو بلاغةٍ في سرد روايته، وإنك لتَعجَب ممَّن يؤيدُ قولَ القائل، أو يدافعُ عما قيلَ أمامَه.

يَعتَقِد البعض، حتى يومنا هذا، “أن الإناء إذا كسر، أخذ معه الشر وذهب”، الأدهى والأمرّ أن نسمع مباشرة من يُبَرهِن أنه كان لديه “إحساس” بذلك، ويحمد الله على كَسرِ الإناء، هذه الشريحة من الناس موجودة في “مجتمعنا الفلسطيني”، كغيره من “المجتمعات العربية”، ربما لعدم اكتشافهم حقائق الأمور، من خلال العقل أو القلب أو حتى الممارسة، وربما انصياع لسَطوة أو تأثير اجتماعي وُرث بِشكل غير شرعي.

مواقف عديدة يَتحتَّم على كل شخص واعٍ، من خلال معرفته لذاته بالدرجة الأولى، وقبل أن يدَّعيَ معرفة الآخرين، أن يكون قادراً على تفسير ما يدور حوله، دون تردد أو إذن من أحد، فإن “كَسرَ الإناء”، لم يأخذ معه الشر ولا الخير، وحسمَ الأمور في مثل هذه المواقف، خير غذاء للروح وأفضل مناعةٍ للجَسد.

رغم كل التحديات التي يمر بها أبناء الشعب الفلسطيني، الصامد أمام سياسات المحتل، المرابط على أطهر بقاع الأرض، المقاوم بكافة الوسائل المشروعة، لتحقيق الحرية والنصر، إلا أن المجتمع لا يخلو من ظاهرة “المواطن السلبي” الذي لا يهتم بواجباته، تجاه وطنه وأبناء شعبه، وإنما لديه اهتمام يتجه دوماً نحو الحديث على كل ما هو سلبي فقط.

أعي تماماً أن شخصية الإنسان فيها من الصِّفات الموروثة، والصِّفات المُكتَسبَة، فمُمارسة الرياضة تعود على ممارسِها بالصحة والعافية، وممارسة القراءة، تنمي العقل والثقافة، وسلوك المواطن يعكس القِيَم التي تَرَسَّخت في عقله وتَربّى عليها، وفي بعض الأحيان تكون الأعمال استناداً إلى ما اعتاد عليه الفرد.

أستذكِرُ في هذا المقام قصةً لسيدنا عيسى عليه السلام مع الحواريّين، حيث كان سائراً ذات يوم مع اثني عشر من المؤمنين الأقوياء، فأتوا على جيفَة أنتَنَت، فهؤلاء الذين معه أخذوا بآنافهم، حتى اجتازوا الجيفة، أما عيسى عليه السلام فلم يفعل، فقالوا: ما أشد نُتنَ هذه الجيفة، فقال عليه السلام: ما أشد بياض أسنانها، فقالوا له: يا نبي الله، كيف تقول هذا؟ فقال: أريد أن لا أُعود لساني الذَّم، أي الكلام القبيح الذي لا خير فيه، أريد أن أُعَوِّدَ لساني تَجَنُّبه.

وفي أتون معركة الأمعاء الخاوية، التي يخوضها أسرى الحرية، من أبناء شعبنا في سجون الاحتلال الاسرائيلي، لنيل حريتهم من المحتل على جماهير شعبنا أن يبادلَ صمود أسرانا بالوفاء، وعلى الذين ما زالوا يَحرفون البوصلة في خطابهم السياسي، عن إضراب الكرامة والحرية، حفظ ألسنتهم، فشعبنا في هذه المعركة بأمسِّ الحاجة الى من يجمع شمله ويوحده، لا من يفرقه.

إن بناء دولتنا الفلسطينية بكافة مكوِّناتها ومؤسساتها، بحاجة الى عقول صافية، خالية من شوائب الاعتقادات أو من ضِعاف النفوس، أو مُحِبّي اللَّطم على الخُدود، وبحاجة إلى الرِّجال الذين تُتَرجَم أقوالُهم الى أفعال، ومَن يتحدث منهم بمضمون مهم، وأن يكونوا واقعيّين فيما يطرحون من مواضيع، وبأنسب الأوقات.

مقالةٌ واحدة للقائد “مروان البرغوثي”، من داخل معتقله، هزَّت إسرائيل بأكملها، لقَّنت السياسيين في كل أرجاء العالم درساً في الواقعية ونقل المعاناة، لصدقه في نقل معاناة رفاقه، وكشف ممارسات وسياسات الإحتلال الإسرائيلي بحقهم داخل السجون الإحتلالية، لَقَّن إسرائيل وساستها درساً لن ينسوه، أصابَ “العلامَ” باختيار المكان والوقت المناسبين لنشر المقال، حتى أصبح الحديث عن المقال في كافة أنحاء العالم، وكأنها “ويكيليكس مروان البرغوثي”، وكأنه يقول أيضاً لأبناء الشعب الفلسطيني، في هذا الوقت الحرج من الناحية السياسية، وبالأخص السياسيين من أبناء الفصائل الفلسطينية، قولوا خيراً أو اصمتوا..!!، وأن أهدافنا لا تتحقق بتراشق الكلام، عبر وسائل الإعلام، وليس بطول مدة ظهوركم عبرها.

عن moreed

شاهد أيضاً

ظهر هلالان يا بلال …. في فلسطين فقط..؟!

عبد الله عباس عليان ظَهَرَ الهِلال يا بِلال، وأُذِّنَ في النّاس أَن يَصوموا غداً، فَصاموا ...